الثقافة

تعرف على أسرار دعاء النبي الحكيم

النبي الذي فهم الحياة فهمًا دفعه لأن يعرف ما يجب عليه فعله

تعرف على أسرار دعاء النبي الحكيم

أذنب نبي الله سليمان ذنبًا فدعا ربه مستغفرًا:

«قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ».

وسليمان عليه السلام له صفات ذكرها ربنا في كتابه، أهمها العلم، وأنه أوتي من كل شيء، واطَّلع على منطق جميع المخلوقات، مما زاد من حكمته، ووعيه وفهمه للحياة.
هذا النبي الحكيم عندما أذنب ذات يوم دعا ربه بالدعاء الذي بدأنا به حديثنا

فهل لفت نظرك يا صاحبي شيء في دعاء سليمان ربَّه؟

لقد اعتذر عن خطئه كما رأينا، غير أنه لم يوقف حياته عند زلَّته، وأكمل تضرعه بطلب يعينه على تحقيق مراده، والأشد دهشة أنه لم يختم كلامه -وهو يستغفر- بقول «إنك أنت الغفور» أو «إنك أنت الرحيم» وإنما قال «الوهاب».

ألا يدفعك هذا لطرح سؤال ما؟!

سؤال عن طبيعة هذا النبي الذي فهم الحياة فهمًا دفعه لأن يعرف ما يجب عليه فعله. وما يجب فعله ألا نوقف حياتنا عند زلَّة، أو فشل، أو ذنب، أو تقصير ما.
حقيقةً، إن النبي الحكيم وبعدما استغفر ربه، واعتذر عن خطئه، وراجع حساباته، قرر أن يوجِّه كامل طاقته إلى ما يريد فعله ويتمناه، وقوله «إنك أنت الوهاب» وليس الغفور أو الرحيم، معناه أن نبينا سليمان قد تجاوز الماضي بكلِّيته. إنه مزيج بين حُسن الظن في ربه الذي يغفر إذ دُعي، وبين إيمانه بأن إلهه قد خلقه لشيء ما يجب عليه فعله، ولا ينبغي أن يوقفه عن الوصول إليه مانع، حتى وإن كان ذنبًا أو سقطة صغيرة كانت أو كبيرة.

إنها فلسفة الفرصة الثانية التي لم يهتم أحد بتعليمنا إياها، إذ انشغلوا بحبسنا في قمقم خطايانا السابقة.

يُحكى أن رجلًا خفيف الظل كان يحب النبي ويأنس به النبي لجمال روحه وظُرف لسانه، غير أن هذا الرجل كان مبتلى بداء السُّكر، وكثيرًا ما كان يؤتى للنبي في حال مزرية بسبب ضعفه أمام هذا الأمر، فكان النبي ينصحه، ويعنِّفه، ويعاقبه، غير أنه لم يسمح يومًا لأحد أصحابه حين تندَّر على نقطة ضعف الرجل وقام بازدرائه قائلًا: «اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتَى به» أي يؤتَى به وقد أذهبت الخمر عقله.
هنا وقف النبي مدافعًا عن الضعف الإنساني كله، وقف ليضع خطوطًا فاصلة بين فكرة كراهية الشيء الخاطئ وكراهية المخطئ، قال كلمة مهمة وعظيمة وذات دلالة:

«لا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم»،

وهنا يتبدى لنا موقف النبي صلى الله عليه وسلم من فكرة زَلَل الإنسان وضعفه أمام شهوة ما، إنه يفصل جيدًا بين فكرة كونك شخصًا مخطئًا قد نحزن عليك، أو نغضب منك، أو نُحبط لسلوكك المؤذي لنفسك ومَن حولك، وقد نضع القوانين التي تعاقبك حال تكرار خطأ مُضرٍّ لك وللآخرين، غير أن كل هذا لا ينفي فكرة كونك إنسانًا قد تحمل بقلبك حبًّا كبيرًا، وخيرًا عظيمًا.
قد تكون في أتون معركتك، منشغلًا بصراعك بين السامي والخسيس بداخلك، تناضل وتكافح وتعاني، متألمًا من ثلمة ما في شخصيتك، أو شهوة ما تُضعفك، تحسب -بوجع- المسافة بين ما أنت فيه وما تؤمن بأنك قد خُلقت من أجله…

والأشد مرارة أن تجد نفسك مدانًا في أعين بشر يهوون تتبُّع الزلات، ويعمون عن رؤية أي نور، فيجعلون بينك وبين أرض التوبة أمدًا بعيدًا. يعظِّمون خطاياك حتى تظن نفسك شيطانًا كُتبت عليه اللعنة، ويسفِّهون من أي مساحات للخير فيك، ولطالما وقع بعضنا في بئر الشر لأن يد الخير المتسامية دفعته بداخلها!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى