إقتصاد

تقرير “بنك عوده” الاقتصادي عن الفصل الثالث من 2022: هل من نموذج اقتصادي بديل للبنان؟

 أصدر “بنك عوده” تقريره الاقتصادي عن الفصل الثالث من 2022 بعنوان “هل من نموذج اقتصادي بديل للبنان؟”، وجاء فيه: “بينما بدأ العدّ العكسي للانتخابات الرئاسية دون ظهور بوادر توافقية في الأفق، شهد لبنان أحداثاً هامة ولاسيما على صعيد التوصل إلى اتفاق حول الحدود البحرية الجنوبية وإقرار موازنة العام 2022 وإقرار تعديلات قانون السرية المصرفية.

ففي الواقع، تمّ إنجاز الاتفاق حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، والذي تمحور حول الخط 23 بحيث نال لبنان حقّ السيادة على حقل قانا بينما أسند لإسرائيل حقل كاريش. إن هذا الاتفاق من شأنه أن يحسّن الآفاق الاقتصادية الطويلة الأمد للبنان وأن يعزّز وضعيته الخارجية، ما ينعكس بشكل إيجابي على البلاد، غير أنّ مخاطر التطبيق تبقى موجودة. وترى مؤسسة التصنيف العالمية “فيتش” بأنّ استكشاف الغاز سيدرّ مكاسب اقتصادية هامة على لبنان، أولاً من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية وتالياً من خلال تعزيز إيرادات الدولة في حال تبيّن أنّ الموارد الهيدروكربونية قابلة للتسويق تجارياً. كذلك، رأت مؤسسة التصنيف العالمية “موديز” بأن الاتفاق سيعود بالإيجابية على لبنان كونه يوفّر الظروف الجيوسياسية الأمنية الضرورية لشركات الطاقة العالمية للبدء بعمليات الاستكشاف كما يؤمن نهوض القطاع الهيدروكربوني في البلاد. كما أن انتعاش القطاع الهيدروكربوني في لبنان سيخفض من عجز الطاقة ويساعد على الولوج إلى نهوض اقتصادي عام.

إلا أنّ لبنان لن يتمكّن من تحقيق المكاسب الاقتصادية من اتفاقية الغاز الجديدة قبل ثلاث إلى أربع سنوات، نظراً لتسلسل قيمة النفط والغاز والذي يظهر عدداً من المراحل المتتابعة، بدءاً بالاستكشاف والتوصيات، إلى التطوير، والإنتاج، والنقل، وخطوط الأنابيب، وصولاً إلى التخزين والتوزيع.

توازياً، تبقى التحديات مرتفعة. فتشرذم المجلس النيابي ووصول العهد الرئاسي إلى خواتيمه دون رئيس منتخب يجعل التأليف الحكومي والانتخابات الرئاسية وإطلاق الإصلاحات أموراً أكثر تعقيداً. وهذا ما يعرقل إمكانية الحصول على موافقة مجلس إدارة صندوق النقد الدولي على اتفاق نهائي مع الصندوق، والذي يعدّ السبيل الوحيد لإخراج لبنان من خضمّ أزمته وتحقيق الانتعاش الاقتصادي المرجو.

هذا ويعكس أداء مؤشرات القطاع الحقيقي خلال هذا العام التفاوت في النشاط الاقتصادي عموماً. من ضمن المؤشرات التي سجلت نمواً سلبياً في الأشهر التسعة الأولى من العام، نذكر قيمة الشيكات المتقاصة والتي سجلت تقلصاً نسبته 12.6% وقيمة المبيعات العقارية (-13.0%). أما من ضمن المؤشرات التي سجلت نمواً إيجابياً فنذكر مساحة رخص البناء الممنوحة (+444.6%)، وعدد المسافرين عبر مطار بيروت (+56.9%)، وعدد مبيعات السيارات الجديدة (+37.5%) وتسليمات الإسمنت (+56.0%)، وحجم البضائع في المرفأ (+9.4%).

على صعيد القطاع الخارجي، سجّلت الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 ارتفاعاً في عجز الميزان التجاري بنسبة 40.7% في ظل نمو الواردات بنسبة 34.1%، بينما زادت الصادرات بنسبة 12.7% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2021. في الواقع، ارتفعت الواردات من 7.8 مليار دولار إلى 10.5 مليار دولار خلال الفترة المغطاة، في حين زادت الصادرات من 1.9 مليار دولار إلى 2.1 مليار دولار، ما انسحب اتساعاً في عجز الميزان التجاري من 6.0 مليار دولار إلى 8.4 مليار دولار. هذا وقد سجّل ميزان المدفوعات عجزاً مقداره 3.1 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 بالمقارنة مع عجز بقيمة 1.6 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2021. ويعزى العجز في ميزان المدفوعات هذا العام إلى تقلص الموجودات الخارجية الصافية لدى مصرف لبنان بمقدار 3.3 مليار دولار، بينما زادت الموجودات الخارجية الصافية لدى المصارف بقيمة 0.2 مليار دولار.

وتظهر الإحصاءات المصرفية للأشهر التسعة الأولى من العام 2022 امتداداً للنمط السائد منذ بداية العام، في ظل تقلص أقل في الودائع المصرفية بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2021، وفي ظل الخفض المستمر للرافعة الاقتراضية، والتقلص المتواصل لمحفظة سندات اليوروبوندز، والتراجع الإضافي في الأموال الخاصة للمصارف نتيجة الخسائر التي تتكبدها. إذ انخفضت الأموال الخاصة للمصارف من 17.8 مليار دولار في نهاية كانون الأول 2021 إلى 16.7 مليار دولار في نهاية أيلول 2022، علماً أنها كانت قد بلغت مستوى قياسياً مقداره 20.6 مليار دولار عشية الأزمة في تشرين الأول 2019. ويعزى الانخفاض في الأموال الخاصة إلى الخسائر الصافية التي تكبدتها المصارف خلال هذه الفترة والتي بدورها مردّها إلى تكاليف القطع الباهظة، وارتفاع الأعباء التشغيلية العائدة الى التضخّم الملحوظ، إضافة إلى متطلّبات رصد المؤونات التي تواجهها المصارف اللبنانية لجبه المخاطر السيادية ومخاطر القطاع الخاص بشكل عام.

أما في يتعلّق بأداء أسواق الرساميل اللبنانية، فقد واصلت سوق الأسهم نموها البارز الذي سجّلته في العام السابق. إذ زاد مؤشر الأسعار بنسبة 24.7% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، بعد قفزة المؤشر بنسبة 48.1% في العام 2021، بدافع رئيسي من أسهم “سوليدير”. ويترافق ذلك مع نمو سنوي في قيمة التداول الاسمية بنسبة 5.5%، من 295 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2021 إلى 312 مليون دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022. عليه، بلغ معدل دوران الأسهم، المحتسب على أساس قيمة التداول السنوي إلى الرسملة السوقية، نسبة قدرها 3.1% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، مقابل معدل دوران نسبته 3.8% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2021.

في ما يلي تحليل مفصّل لتطورات القطاع الحقيقي والقطاع الخارجي والقطاعين العام والمالي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، في حين تتطرّق الملاحظات الختامية إلى تقييم المتطلبات لتحقيق نموذج اقتصادي بديل في لبنان.

1-السِّمات الظرفيّة

القطاع الاقتصادي الحقيقي

الزراعة والصناعة

تحسن نسبي للقطاعين الزراعي والصناعي بعد الركود الناتج عن جائحة كورونا

إن قطاعَيْ الزراعة والصناعة، اللذين كانا يتعرّضان للضغط بسبب التبعيّة الشديدة حيال المواد الأولية ومضاعفات تدهور سعر العملة وارتفاع الأسعار على المستوى الدولي، استفادا مؤخّراً من عودة الطلب بشكل نسبي بعد النهوض من جائحة كورونا.

فالواردات الصناعية، التي تعكس حالة الطلب الداخلي على السلع الصناعية، زادت بنسبة 38.0% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 مقارنةً مع الفترة ذاتها من العام 2021؛ في حين أن الصادرات الصناعية، التي تعكس حالة الطلب الأجنبي على السلع الصناعية المنتجة محلياً، زادت بنسبة 14.5% في الفترة ذاتها.

أما الواردات الزراعية، التي تعكس واقع الطلب الداخلي على المنتجات الزراعية، فقد زادت بنسبة 6.9% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 مقارنةً مع الفترة ذاتها من العام 2021؛ في حين أن الصادرات الزراعية، التي تعكس حالة الطلب الأجنبي على السلع الزراعية المنتجة محلياً، انخفضت بنسبة 5.3% في الفترة ذاتها.

وتبيّن إحصاءات المركز اللبناني للأبحاث والدراسات الزراعية (كريال)، المنشورة في الفصل الثالث من العام 2022، أن القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي اللبناني- أي المبلغ الذي جناه المزارعون من بيع منتجاتهم- لمجمل العام 2021 يناهز حالياً 1.3 مليار دولار أميركي، وهو أقلّ منه في عامَيْ 2018 و2019 (أكثر من 1.9 مليار دولار).

لقد واجه المزارعون صعوبات جسيمة في ظلّ أزمة لبنان المالية بسبب ارتفاع كلفة المحروقات والنفقات المرتبطة بالمُدخلات المستوردة، مثل البذار والأسمدة. وكانت السنة الماضية قاسية بالنسبة الى القطاع، لا سيّما مع الحظر السعودي المفروض على المنتجات اللبنانية منذ نيسان 2021. وقد جرى التخفيف من آثار الحظر بزيادة الصادرات الى بلدان أخرى، وعلى الأخصّ الى مصر. مع ذلك، يشير تقرير مؤسسة كريال الى أن وضع المزراعين لا يزال غير مستقر.

فالأحوال المناخيّة المؤاتيّة أتاحت على العموم جني محاصيل جيّدة، مع ريّ بكلفةٍ معقولة. ومع أن قدرة اللبنانيّين الشرائية تراجعت كثيراً، فقد تواصل الطلب على المنتجات الغذائية. ثم أن سورية التي كانت عادةً تُغرق الأسواق اللبنانية بخضارها وفاكهتها، تعرّضت هي نفسها لأزمة إنتاج زراعي، ما خفّف الأثر السلبي على الأسعار الزراعية لصالح المنتِج اللبناني.

كذلك، يجدر التذكير بأن منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) أطلقت عام 2020 برنامج قسائم شرائية لإمداد المزارعين بأموال لشراء مُدخلات زراعية. وقد بدأ المشروع عام 2020 كبرنامج تجريبي بقيمة 200000 دولار أميركي توزَّع على شكل قسائم بقيمة 200 لصالح 1000 مزارع في عكّار وبعلبك–الهرمل، من أجل شراء الأسمدة والبذار والمعدّات. ثم توسّع المشروع في السنة التالية بحيث قامت منظمة الفاو، بالتعاون مع وزارة الزراعة والبرنامج الغذائي العالمي، بتوزيع قسائم بقيمة 300 دولار أميركي على أكثر من 32000 مستفيد خلال عامَيْ 2021 و2022، لتمكين المزارعين من شراء البذار والأسمدة وعلف للحيوانات وأطعمة للأسماك والنحل.

أخيراً، وعلى الرغم من انتعاش بعض فروع القطاعين الزراعي والصناعي، يمكن القول إن غياب التدخّل الفعّال من جانب السلطات العامة مع عدم الإستفادة الوافية من المساعدة الدولية (التي لا يزال تنفيذها عقيماً)، يُبقي المزارع اللبناني متروكاً لحاله، بحيث يظلّ هو الحلقة الأضعف في السلسلة الغذائية.

1-1-2-البناء

القطاع العقاري على مفترق طرق، على غرار الآفاق السياسية-الاقتصادية

في العام 2022، خفّ الطلب على العقارات بعدما كان المطوّرون العقاريّون قد سدّدوا معظم ديونهم تجاه المصارف، وبعدما أُلغي الدفع بواسطة الشيكات وأصبح السوق العقاري اللبناني يتعامل بالدولار النقدي (فريش) فقط. إن قيمة المبيعات العقارية، التي بلغت ذروتها عام 2020 وزادت بنسبة 8% عام 2021، سجّلت انخفاضاً بنسبة 13% على أساس سنوي في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022. من جهة أخرى، انخفض عدد عمليات البيع بنسبة 21% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، بعد ازدياده بنسبة 34% في العام 2021.

وقد طاول هذا الانخفاض معظم المناطق، إلاّ أن معدّلاته الأبرز كانت تلك المسجّلة في المتن (-78%) وبعبدا (-45.7%) ومحافظة الشمال (-31.1%) وكسروان (-24.4%) والبقاع (-6.5%) وبيروت (-4.3%).

وفي ما يخصّ توزّع قيمة المبيعات العقارية، ظلّت بيروت تستأثر بالحصة الأكبر منها في الأشهر التسعة الأولى من 2022، وهي 37.7%، تليها منطقة الجنوب (17.3%) ثمّ بعبدا (12.0%) فكسروان (10.4%) فالشمال (7.5%) فالنبطيّة (4.6%) فالمتن (4.0%) والبقاع (3.9%).

أما من ناحية العرض، فقد توقّف تشييد مبانٍ سكنية جديدة منذ بداية الأزمة كما توقّف إنجاز عدد من المباني قيد الإنشاء. والمطوّرون القلائل الذين يحاولون إتمام مشاريعهم الإنشائية فهم أولئك الذين لديهم شقق مباعة قبل العام 2019. ذاك أن المطوّرين العقاريّين يتأخّرون في تنفيذ مشاريعهم بسبب الإرتفاع الكبير لسعر مواد البناء وانخفاض القدرة الشرائية للمطوّرين والمشترين على السواء. في هذا السياق، لم تـزد كميّات الإسمنت المسلَّمة عام 2021 عن 1951 ألف طن، أي أقلّ بنسبة 39% من تلك المسلّمة عام 2019.

يسعى معظم الملاّكين العقاريّين أكثر فأكثر الى بيع مخزونهم المتبقّي بالدولار النقدي (الفريش) لأنه لم يعد يتوجّب عليهم تسديد الكثير من القروض بالدولار المحلّي. ففي نهاية أيلول الماضي، بلغت محفظة قروض المصارف بالعملة الأجنبية 12.0 مليار دولار مقابل ما يناهز 40 مليار دولار قبل اندلاع الأزمة في تشرين الأول 2019. وفي الوقت الذي أُبقي على تقييم معظم العقارات المُباعة بالدولار النقدي، ندُر عدد الشراة بالدولار النقدي، ما ينعكس سلباً على اتّجاهات الأسعار. ويأتي ذلك عقب انخفاض أسعار العقار بالدولار النقدي بما يزيد عن 50% منذ بداية الأزمة عام 2019. ونسبة الإنخفاض هذه تفاوتت بين منطقة وأخرى، إذ أن تراجع الأسعار في بعض المناطق كان بمعدل 70% بسبب ندرة الشراة بالدولار النقدي بينما كانت الحال مقبولة نسبياً في مناطق أخرى حيث بلغ معدل تراجع الأسعار بالدولار النقدي 30%. وتجدر الإشارة الى أن بيروت كانت أفضل حالاً نسبياً من المناطق البعيدة عن العاصمة والتي كانت أكثر تأثّراً بفقدان القدرة الشرائية.

بالنسبة الى المستقبل، يبدو القطاع العقاري على غـرار الآفاق العامة للبلاد. ففي حال تحقّق السيناريو السياسي–الاقتصادي الإيجابي، سوف يزداد الطلب العقاري الى حدّ كبير، مولّداً ارتفاعاً في أسعار العقارات. ويتمحور مثل هذا السيناريو حول انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة في وقت قريب، وحول اتفاق شامل مع صندوق النقد الدولي على أساس الإتفاق المعقود على مستوى الموظفين في شهر نيسان الماضي. أما السيناريو الآخر، فهو بقاء الوضع الراهن على حاله (الستاتيكو)، أي التأجيل المتواصل للإنتخابات الرئاسية، وتعسّر تشكيل حكومة، وغياب الإصلاحات، وعدم الإلتزام بمتطلّبات صندوق النقد الدولي وغياب البرنامج النهائي مع الصندوق. ومن شأن هذا السيناريو أن يؤدّي الى انهيار شديد لسعر العملة الوطنية في ظلّ خلقٍ زائدٍ للنقد بالليرة اللبنانية وتضخّمٍ مفرطٍ في أسعار السلع الإستهلاكية وضغوطٍ اجتماعية-اقتصادية على الأُسَر اللبنانية. وهذا يعني، في ما يخصّ القطاع العقاري، عرضاً مفرطاً بالنسبة الى الطلب، وبالتالي تقلّصاً جديداً لأسعار العقارات بالدولار النقدي في السوق.

في ما يتعلّق بآفاق القطاع حسب المناطق، من المتوقَّع أن تتراجع الأسعار في المناطق التي تعتمد على الدخل المحلي. فالواقع أنه في حال استمرار هبوط سعر العملة في غياب سيناريو إيجابي، نتوقّع تآكلاً جديداً في القدرة الشرائية للمداخيل بالليرة اللبنانية، ما قد يحفّز على مزيد من المبيعات العقارية لتلبية الحاجات الأساسيّة بشكلٍ يقوّي الضغط على أسعار العقارات. أما المناطق التي تجتذب استثمارات المغتربين في أملاكها، فستكون أكثر ارتياحاً بفضل التدفق المطّرد نسبياً للتحويلات المالية الآتية من خارج البلاد.

1-1-3- التجارة والخدمات

أداء القطاع الثالث متفاوت هذه السنة

شهد قطاع التجارة والخدمات تفاوتاً في أداء مكوّناته خلال الفصول الثلاثة الأولى من العام 2022. ففي الوقت الذي أعطت حركة النقل الجوي والإشغال الفندقي بارقة أمل، جاء متوسط الأسعار اليومية لغرف الفنادق وقيمة النفقات المعفاة من الضريبة دون المرتجى. وعلى صعيد النفقات الداخلية، واصلت الشيكات المتقاصّة تراجعها تحت تأثير انحسار القوة الشرائية بفعل تدهور سعر صرف العملة الوطنية والأزمة المالية بوجه عام.

على صعيد حركة المطار، تدلّ أرقام مطار رفيق الحريري الدولي أن عدد المسافرين ازداد خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 بنسبة 56.9% على أساس سنوي. كما ازداد عدد الرحلات الجوية بنسبة 37.9% في الفترة المذكورة. وبالتفصيل، ارتفع عدد المسافرين القادمين بنسبة 59.8% وعدد المسافرين المغادرين بنسبة 54.3% على أساس سنوي ليبلغا على التوالي 2362111 مسافراً و2458552 مسافراً في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022. أما المسافرون العابرون فانخفض عددهم بنسبة 54.2% على أساس سنوي ليبلغ 21662 راكباً في الفترة المذكورة. وعليه، يكون العدد الإجمالي للركّاب الذين استخدموا المطار قد بلغ 4842325 شخصاً، أي بزيادة نسبتُها 55.2%.

وفي ما يخصّ حركة الطيران، ازداد عدد كل من رحلات الطيران القادمة والمغادرة بما نسبتُه 37.9% على أساس سنوي، ليبلغ الأول 19795 رحلة والثاني 19793 رحلة في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022. أما في ما يتعلّق بحجم عمليات الشحن عبر المطار في الفترة ذاتها، فقد تمّ استيراد وتفريغ 21474 ألف طن مقابل تحميل وتصدير 22287 ألف طن في الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية. وقد سجّل النشاط الأول المذكور زيادة ضئيلة الشأن نسبتُها 9.6% بينما شهد النشاط الثاني انخفاضاً بنسبة 29.9% على أساس سنوي في الأشهر التسعة الأولى من السنة الجارية.

وبحسب التحقيق الذي تجريه مؤسّسة إرنست إند يونغ حول ” القطاع الفندقي في الشرق الأوسط “، فقد سجّل أداء الفنادق من فئتي 4 و5 نجوم في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 تحسّناً في نسبة الإشغال ومردود الغرف ومتوسط أسعار الغرف. وفي التفاصيل، بلغ معدل إشغال فنادق العاصمة اللبنانية من فئتَيْ 4 و5 نجوم 50% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 مقابل 42% في الفترة ذاتها من العام 2021. كذلك، وصل متوسط سعر الغرفة الواحدة إلى 67 دولار في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 بالمقارنة مع 57 دولار في الفترة نفسها من العام السابق. وارتفع مردود الغرفة بنسبة 41.7% سنوياً ليبلغ 34 دولاراً أميركياً في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 مقابل 24 دولاراً في الفترة ذاتها من العام 2021.

من جهة أخرى، بيّنت إحصاءات شركة “غلوبال بلو” التي تسدّد للسيّاح على النقاط الحدودية الإعفاءات من الضريبة على القيمة المضافة، أن قيمة المشتريات المعفاة من الضريبة على القيمة المضافة، والتي تعطي صورة صادقة عن الميول الشرائية للسيّاح، انخفضت بنسبة 31% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مقارنةً مع الفترة ذاتها من العام 2021. وفي التفاصيل، يدلّ توزّع الإنفاق حسب بلد الإقامة في العام 2022 على أن السيّاح القادمين من الإمارات العربية المتحدة كانوا الأكثر إنفاقاً (16%) تلاهم الوافدون من المملكة العربية السعودية (6%) ومن الكويت (6%) وسورية (6%) ثم السيّاح القادمون من دولة قطر (5%) فمن جمهورية مصر العربية (4%). ويبيّن توزّع النفقات حسب القطاعات أن قطاع الملبوسات والموضة جاء في الطليعة (71%) تليه الساعات والمجوهرات (22%) فالمخازن الكبرى (3%) ثم أجهزة وألبسة الرياضة (1%) وأغراض البيت والحدائق (1%). أما توزّع النفقات حسب المناطق في العام 2022، فيُظهر أن بيروت احتلّت المرتبة الأولى (82%) تلتها منطقة المتن (16%) ثم بعبدا وعاليه (1%) فكسروان وجبيل (أقلّ من 1%). أخيراُ، يبيّن التوزّع حسب المدن في العام 2022 أن الوسط التجاري لمدينة بيروت استأثر بالحصة الكبرى من نفقات السيّاح (67%) تلته منطقة فردان (10%) ثم جلّ الديب (9%) فضبيّه (5%) والأشرفيّة (4%).

على صعيد المرفأ، تظهر آخر الإحصاءات الصادرة عن مرفأ بيروت أن عدد البواخر الراسية في المرفأ انخفض في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 بنسبة 0.9% على أساس سنوي بعدما كان قد انخفض بنسبة 13.6% في الفترة ذاتها من العام 2021 ليبلغ 877 باخرة، فيما ازداد حجم البضائع بنسبة 9.4% ليبلغ 3844 ألف طن في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 بعدما كان قد ارتفع بنسبة 7.5% في الفترة ذاتها من العام 2021.

أخيراً، على صعيد الإنفاق المحلّي، فإن القيمة الإجمالية للشيكات المتقاصة، والتي تشكّل مؤشّراً على الإنفاق الإستهلاكي والإستثماري في الإقتصاد اللبناني، انخفضت بنسبة 12.6% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 عاكسةً تراجع القدرة الشرائية للأُسَر اللبنانية وسط استمرار ضبابيّة الآفاق السياسية-الاقتصادية للبلاد. وقد بلغت قيمة الشيكات المتقاصة 22603 ملايين دولار أميركي في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مقابل 25039 مليون دولار أميركي في الفترة ذاتها من العام 2021. ويبيّن توزّع هذه الشيكات حسب نوع العملة أن قيمة الشيكات المحرَّرة بالليرة اللبنانية بلغت 25682 مليار ليرة (+23.6%) في الفترة المذكورة من العام 2022 فيما بلغت قيمة الشيكات المحرّرة بالدولار الأميركي 8003 مليون دولار (-46.1% على أساس سنوي). توازياً، بلغ العدد الإجمالي للشيكات المتقاصّة 1306237 شيكاً في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مقابل 2555352 شيكاً في الفترة ذاتها من العام 2021، أي بتراجع نسبتُه 48.9%.

1-2-القطاع الخارجي

ازداد العجز التجاري بنسبة 41% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022

تبيّن أرقام القطاع الخارجي المنشورة للأشهر السبعة الأولى من العام 2022 ازدياد العجز التجاري بنسبة 40.7% في ظلّ نمو الواردات بنسبة 34.1% مقابل ارتفاع الصادرات بنسبة 12.7% في الفترة ذاتها. ففي الواقع، ارتفعت قيمة الواردات من 7.8 مليار دولار الى 10.5 مليار دولار بين الفترتين المعنيّتين بينما ارتفعت قيمة الصادرات من 1.9 مليار دولار الى 2.1 مليار دولار، ما أدّى الى ازدياد العجز التجاري من 6.0 مليار دولار الى 8.4 مليار دولار. وتجدر الإشارة الى أن ازدياد قيمة الواردات يعود جزئياً الى التضخم العالمي، وعلى الأخصّ الى أسعار النفط والمواد الأوليّة التي ارتفعت بشكل ملحوظ هذه السنة، لكنه يدلّ أيضاً على تحسّنٍ طفيف للطلب الخاص المحلّي.

وبالتفصيل، يبيّن توزّع الواردات حسب أنواع السلع والمنتجات في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 أن المعدّات والمنتجات الكهربائية زادت بنسبة 141.1% تلتها السيارات والمركبات (95.5%) ثم المعادن والمنتجات المعدنية (49.6%) فالورق والمصنوعات الورقيّة (49.4%) فالإسمنت والحجارة الإسمنتيّة  (44.4%) فالنسيج والمنسوجات (42.0%) ثم المنتجات المنجمية (40.0%) والمنتجات البلاستيكية (32.9%) فالمجوهرات (28.2%). من جهة أخرى، كانت أهم الأبواب التي تراجعت وارداتها بالمقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية هي المنتجات الكيميائية (-35.9%) والماشية والمنتجات الحيوانية (-2.1%).

أما توزّع الواردات حسب بلدان المنشأ وأهم شركائنا التجاريّين في الفترة ذاتها، فيُظهر أن تلك الآتية من الهند هي التي سجّلت النمو الأكبر نسبياً (153.7%) تلتها الواردات من رومانيا (140.0%) فمن الصين (136.5%) ثم من تركيا (80.8%) فمن إيطاليا (71.7%) وسويسرا (57.1%). في المقابل، شهدت الواردات من روسيا التراجع الأكبر (-51.8%) تلتها تلك الآتية من فرنسا (-28.2%) ثم من أوكرانيا (-26.7%) والإمارات العربية المتحدة (-13.9%)، وذلك بالمقارنة مع الأشهر السبعة الأولى من السنة الماضية.

في المقابل، يبيّن توزّع الصادرات حسب أنواع السلع والمنتجات في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022 أن الصادرات من المنتجات البلاستيكية زادت بنسبة 396.5%، تلتها الصادرات من الورق والمصنوعات الورقية (34.4%) فمن المعادن والمنتجات المعدنية (31.5%) ثم من المنتجات النباتيّة (22.5%) فالمنتجات الكيميائية (19.4%) ومن المعدّات والمنتجات الكهربائية (18.7%). من جهة أخرى، كانت أهم الأبواب التي تراجعت صادراتها بالمقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية هي السيارات والمركبات (-33.3%) والمجوهرات (-29.9%) والنسيج والمنسوجات (-5.7%) والسلع الغذائية (-2.7%).

أما توزّع الصادرات حسب أهم بلدان المقصد في الأشهر السبعة الأولى من العام 2021، فيُظهر أن الصادرات الى سورية سجّلت النمو الأكبر نسبياً (556.3%) تلتها الصادرات الى تركيا (90.9%) ثم الى كوريا الجنوبية (76.2%) فإلى شاطىء العاج (32.4%). من جهة أخرى، كانت الصادرات الى المملكة العربية السعودية هي التي عرفت بالمقارنة مع في الفترة ذاتها من العام 2021 التراجع الأكبر نسبياً (-100%)، تلتها الصادرات الى سويسرا (- 63.2%) فإلى الولايات المتحدة الأميركية (-30.0%) فإسبانيا (-16.7%) وقطر (-11.1%).

وتجدر الإشارة الى أن الصادرات عبر مرفأ بيروت شكّلت القسم الأكبر من صادراتنا إذ بلغت قيمتها 900 مليون دولار في الأشهر السبعة الأولى من العام 2022، بزيادةٍ نسبتُها 8.8% مقارنةً مع الفترة ذاتها من السنة الماضية، تلتها الصادرات عبر المطار، التي بلغت قيمتها 557 مليون دولار، بتراجع نسبتُه 24.5% قياساً على الفترة ذاتها من العام 2021. وتأتي لاحقاً الصادرات المرسَلة برّاً عبر سورية، والتي بلغت قيمتها 386 مابون دولار، أي بزيادةٍ نسبتُها 297.9% مقارنةً مع الفترة ذاتها من السنة الماضية. أخيراً، بلغت قيمة الصادرات عبر مرفأ طرابلس 210 ملايين دولار، بزيادةٍ نسبتُها 40.9% بالمقارنة مع الأشهر السبعة الأولى من العام 2021.

أخيراً، سجّل ميزان المدفوعات عجزاً بقيمة 3.1 مليار دولار أميركي في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مقابل 1.6 مليار دولار في الفترة ذاتها من السنة الماضية. وهذا العجز هو حصيلة انخفاض الموجودات الخارجية الصافية لمصرف لبنان بقيمة 3.3 مليار دولار مقابل ازدياد الموجودات الخارجية الصافية للمصارف بنحو 0.2 مليار دولار. وقد نتج انخفاض الموجودات الخارجية الصافية لمصرف لبنان منذ بداية السنة، بوجه خاص، عن تدخّل المصرف المركزي على منصّة ” صيرفة ” في إطار التعميم رقم 161 الذي أصدره في نهاية العام 2021.

 1-3- القطاع العام

البرلمان اللبناني يقـرّ الموازنة العامة لعام 2022

أقرّ مجلس النواب اللبناني في نهاية الفصل الثالث من السنة الجارية مشروع الموازنة العامة لسنة 2022، والذي يحتسب الإيرادات الجمركية على أساس سعر صرف قدره 15000 ليرة لبنانية للدولار الأميركي. كما تلحظ الموازنة نفقات عامة بقيمة 41000 مليار ليرة لبنانية وإيرادات بقيمة 30000 مليار ليرة لبنانية.

فعلاً، اجتمع أعضاء المجلس النيابي ليدرسوا المواد الـ121 التي تضمّنها مشروع الموازنة المقدّم لهم، والذي هو حصيلة سلسلة اجتماعات (فاقت العشرين اجتماعاً) عقدتها لجنة المال والموازنة منذ بداية السنة. ومع أن مسار إقرار موازنة هذه السنة قد تخطّى بكثير المهل الزمنيّة الإعتيادية، غير أن هذا الإقرار يشكّل أحد الشروط المسبقة التي وضعها صندوق النقد الدولي لإفادة لبنان من برنامج مساعدة بمليارات من الدولارات.

والواقع أن المجلس النيابي لم يقــرّ موازنة عامة لسنة 2021، وأن التأخّر في إقرار موازنة العام 2022 لا يُعدّ إشارة جيدة بالنسبة الى التصديق على موازنة العام 2023 التي يقترب استحقاقها الدستوري في نهاية كانون الثاني المقبل على أبعد حدّ. وتجدر الإشارة الى أن موازنة العام 2022 تنصّ على رفع قيمة الدولار الجمركي من سعر الصرف الرسمي (1500 ل.ل.) الى حوالى 15000 ل.ل./الدولار الواحد. يجدر الذكر أنّ الدولار الجمركي هو سعر صرف $/ل.ل. المستخدَم لإحتساب الرسوم الجمركية على المنتجات المستوردة.

وفي رأينا أن اعتماد الدولار الجمركي الجديد هو تدبير ينطوي على ميزات وسلبيات:

على صعيد الميزات،

الحدّ من الواردات، وبالتالي خفض العجز التجاري الذي لم يعد يُحتمل في ظلّ تراجع الرساميل الوافدة الى لبنان. فالعجز التجاري لا يزال يشكّل 45% من إجمالي الناتج المحلّي في العام 2021 (عجز تجاري بقيمة 10 مليار دولار مقابل ناتج بقيمة 22 مليار دولار)، وهذا الرقم هو من أعلى النسب في العالم. في السابق، كان بالإمكان استدامة هذا الوضع لفترة طويلة حين كانت الرساميل الوافدة الى لبنان كبيرة الحجم، وهو أمر لم يعد قائماً.

من شأن خفض الواردات إذاً أن يؤثّر إيجاباً على ميزان المدفوعات الذي قد يستعيد توازنه على الأمد المتوسط. ولو أن هذه التدبير قد اتُّخذ منذ بضع سنوات، لكان لبنان تجنّب بعض الشيء الواردات المفرطة التي تستنفد الموجودات الخارجية الصافية للنظام المالي.

من شأن رفع الدولار الجمركي أن يشجّع أيضاً الإنتاج الوطني وأن يدعم القطاعات الاقتصادية الإنتاجية كالزراعة والصناعة.

إن رفع الدولار الجمركي يزيد مداخيل الخزينة ويخفّف تالياً من العجز المالي، ما يحدّ من حجم التـنقيد الذي يقوم به مصرف لبنان ومن خلق النقد، مع تقديم دعم محتمل لسعر صرف الليرة اللبنانية.

على صعيد السلبيات،

إن رفع الدولار الجمركي قد يولّد تضخّماً إضافياً في لبنان حيث التضخّم أصلاً في غاية الإرتفاع وآخذ في التصاعد خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بحيث أن معدل تضخّم الأسعار التراكمي بلغ 1141% منذ بداية الأزمة في تشرين الأول 2019. ونقدّر أن يولّد رفع الدولار الجمركي تضخّماً إضافياً بنسبة 20-30%، كما أنه من المتوقَّع أن يقلّص الدولار الجمركي هامش الربحيّة المرتفع لدى التجار.

من المحتمل أن يزيد رفع الدولار الجمركي عمليات التهريب والتهرّب الضريبي، ما لم ترافقه تدابير صارمة جداً لمكافحة التهريب على جميع المعابر الحدودية.

باختصار، مع أن لرفع الدولار الجمركي تأثير على الكلفة، فإن حسناته تفوق سيّئاته، وذلك خصوصاً لأن هذا الإجراء سيخفّف من العجز المزدوج، لا سيّما العجز الخارجي وعجز الموازنة بشكل عام.

1-4 القطاع المالي

1-4-1-  الوضع النقدي 

تدهور جديد للعملة الوطنيّة في سوق الصرف السوداء في ظلّ حجم كبير لخلق النقد بالليرة اللبنانية

اتّسمت الأوضاع النقدية في لبنان بالخصائص الأساسيّة التالية هذه السنة: انهيار جديد لسعر الصرف في السوق السوداء، ازدياد كبير لحجم النقد المتداول خارج مصرف لبنان وانخفاض مطّرد لإحتياطيّات القطع الأجنبي.

ففي الواقع، فقدت الليرة اللبنانية في السوق السوداء مزيداً من قيمتها إزاء الدولار الأميركي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، بحيث بلغ سعر هذا الأخير سقفاً تاريخياً قدره 40000 ل.ل. للدولار الواحد في أواخر شهر أيلول مقابل 27500 ل.ل. في نهاية العام 2021. وقد حدث ذلك بالرغم من تدخّل مصرف لبنان المتواصل في سوق القطع عبر منصّة “صيرفة”، إنفاذاً لتعميم المصرف المركزي رقم 161 وللتدابير الإستثنائية التي اتّخذها هذا الأخير، والتي أجازت للمصارف أن تشتري من المصرف المركزي الدولار الأميركي نقداً بسعر منصّة “صيرفة” مقابل ليرات لبنانية تحوزها في حساباتها.

وثمّة عوامل عدّة وراء التدهور المتواصل لسعر صرف الليرة اللبنانية إزاء الورقة الخضراء في السوق السوداء منذ بداية السنة، أهمّها: استمرار التعثّر في تشكيل الحكومة، وآفاق الشغور في سدّة الرئاسة الأولى، والتقدّم البطيء في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي للحصول على دعم مالي دولي يبدو لبنان بأمسّ الحاجة اليه، والإستنفاد المطّرد لاحتياطيّات القطع الأجنبي لدى مصرف لبنان، والإلغاء التدريجي لدعم المحروقات منذ نهاية تموز 2022 قبل أن تحرَّر كليّاً منصّة “صيرفة” من عبء تمويل الواردات من البنزين في منتصف أيلول الماضي، والفوضى التي أصابت القطاع المصرفي منذ شهر أيلول.

لقد واصلت الموجودات الخارجية للمصرف المركزي تراجعها طوال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 لتبلغ 14.9 مليار دولار أميركي في نهاية أيلول، أي بانخفاضٍ قيمتُه 2.9 مليار دولار منذ نهاية العام 2021. وإذا استثنينا سندات اليوروبوندز المملوكة من مصرف لبنان، والمقدّرة بخمسة مليارات دولار، والتسهيلات الممنوحة من البنك المركزي للمصارف التجارية، فمن المفروض أن تكون احتياطيّات القطع السائلة لدى مصرف لبنان قد انخفضت الى ما دون 10 مليارات دولار في نهاية أيلول 2022. ويعود ذلك بخاصة الى تدخّل مصرف لبنان في سوق القطع عبر منصّة ” صيرفة” والى التـنقيد المستمر لعجز المصرف المركزي.

توازياً، زاد حجم ” النقد المتداول خارج مصرف لبنان” 13 ألف مليار ليرة لبنانية في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، ليصل الى 59 ألف مليار في نهاية أيلول الماضي. وقد نجم ذلك بخاصة عن نمو كبير لكتلة الليرة اللبنانية بقيمة 20 ألف مليار ليرة في الفصل الثالث من السنة الذي اتّسم بإلغاء تدريجي لدعم المحروقات وبتدخل مصرف لبنان عبر منصّة “صيرفة”. في هذا السياق، تجدر الإشارة الى أنّ حجم النقد المتداول خارج مصرف لبنان استمرّ في الإزدياد بكثافة في تشرين الأول 2022 ليصل الى مستوى غير مسبوق قدره 75 تريليون ليرة لبنانية في نهاية الشهر.

في المقابل، وإزاء استحقاقات إجمالية بقيمة 10578 مليار ليرة لبنانية، بلغت الإكتتابات الإجمالية للنظام المالي بسندات الخزينة بالليرة 11066 مليار ليرة في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، وقد مُنحت بكاملها للمصرف المركزي، ما أدّى الى فائض اسمي بقيمة 488 مليار ليرة لبنانية خلال الفترة المغطاة.

وفي ما يخصّ المحفظة الإجمالية لشهادات الإيداع بالليرة، فقد ظلّت مستقرّة نسبياً في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 حيث انخفضت من 43177 مليار ليرة في نهاية كانون الأول 2021 الى 43159 مليار ليرة في نهاية أيلول 2022. وقد جاء هذا الانخفاض البسيط عقب تراجع كبير بقيمة 2034 مليار ليرة عام 2021.

وبالنسبة الى المستقبل، فإن آفاق الفراغ على مستوى السلطة التنفيذية ما زال يؤثّر على الأوضاع النقدية في الوقت الذي تستعدّ البلاد، بينما تتجه البلاد للمرّة الأولى منذ كانون الأول 1997، لتصحيح سعر الصرف الرسمي المعتمد، ما يشكّل خطوة أولى نحو توحيد تدريجي لأسعار الصرف المتعدّدة، والذي يُعتبر أحد الشروط المسبقة المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي لحصول لبنان على دعم مالي دولي.

1-4-2- النشاط المصرفي

سداد القروض يشكّل 73% من تقلّص الودائع منذ بداية الأزمة

إن تحليل القطاع المصرفي على مدى السنوات الثلاث الأخيرة منذ بداية الأزمة المالية في لبنان، أي بين تشرين الأول 2019 وأيلول 2022، يبيّن الإتجاهات التالية:

انخفاض تراكمي لمجموع الودائع بقيمة 43.4 مليار دولار أميركي في ظلّ عمليات سحب وسداد قروض بحجم ملحوظ: فقد تراجعت ودائع الزبائن من 168.4 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2019 الى 125.0 مليار دولار في نهاية أيلول 2022، أي بما يعادل 25.8%. وتراجعت ودائع المقيمين بقيمة 31.3 مليار دولار فيما انخفضت ودائع غير المقيمين بقيمة 12.1 مليار دولار. وتقلّصت الودائع بالعملات الأجنبية بقيمة 26.6 مليار دولار في السنوات الثلاث المذكورة لتبلغ 97.0 مليار دولار بينما انخفضت الودائع بالليرة بقيمة 25.3 تريليون ل.ل. لتبلغ 42.1 تريليون ل.ل. في نهاية أيلول 2022. ومن جرّاء ذلك، ارتفعت نسبة دولرة الودائع من 73.4% في تشرين الأول 2019 الى 77.7% في أيلول 2022.

انخفاض تراكمي لمجموع التسليفات بقيمة 31.9 مليار دولار أميركي في إطار الجهود المبذولة لتقليص مديونية المصارف: فالمصارف اللبنانية قلّصت مديونيّتها الى حدّ كبير منذ بداية الأزمة بحيث انخفضت محفظة تسليفاتها من 54.2 مليار دولار الى 22.3 مليار دولار، أي بما يعادل 58.9%. ويشكّل سداد القروض 73% من تقلّص الودائع في السنوات الثلاث المنصرمة. وقد تراجعت التسليفات بالنقد الأجنبي بقيمة 26.4 مليار دولار بينما تراجعت التسليفات بالليرة اللبنانية بما يعادل 8.3 تريليون ل.ل في السنوات الثلاث الأخيرة. ومن جرّاء ذلك، تراجعت نسبة دولرة التسليفات من 70.4% في تشرين الأول 2019 الى 52.8% في أيلول 2022.

انخفاض تراكمي لمعدل الفوائد على الودائع بالليرة اللبنانية بمقدار 837 نقطة أساس ولمعدل الفوائد على الودائع بالدولار بمقدار 652 نقطة أساس: فالمعدل الوسطي للفوائد على الودائع بالليرة اللبنانية تراجع من 9.03% في نهاية تشرين الأول 2019 الى 0.66% في نهاية أيلول 2022، بينما انخفض المعدل الوسطي على الفوائد بالدولار من 6.61% الى 0.09% في الفترة ذاتها. وبلغ الفارق بين معدل الفائدة على الودائع بالدولار ومعدل ليبور لثلاثة أشهر حوالي -3.66% في أيلول 2022 مقابل 4.71% في تشرين الأول 2019.

انخفاض تراكمي لسيولة المصارف بالنقد الأجنبي في الخارج بقيمة 4.4 مليار دولار: فقد تراجعت ديون المصارف اللبنانيّة على القطاع المالي غير المقيم من 8.4 مليار دولار أميركي في نهاية تشرين الأول 2019 الى 4.0 مليار دولار في نهاية أيلول 2022. ونتج ذلك عن الإستخدام الملحوظ للسيولة الأجنبية من قبل المصارف اللبنانية لتلبية سحوبات الزبائن النقدية في بداية الأزمة، ولاحقاً عقب صدور تعميم مصرف لبنان رقم 158.

انخفاض تراكمي لمحفظة سندات اليوروبوندز لدى المصارف بقيمة 11.1 مليار دولار أميركي في ظلّ عمليات بيع محلّية صافية وعمليات رصد للمؤونات: فقد بلغت محفظة سندات اليوروبوندز المحمولة من المصارف اللبنانية 3.7 مليار دولار أميركي في نهاية أيلول 2022 مقابل 14.8 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2019. ونتج هذا الإنخفاض عن عمليات بيع صافية لسندات اليوروبوندز بخسارة من قبل المصارف، ولا سيّما خلال الأشهر الأولى للأزمة، إضافةً الى عمليات رصدٍ للمؤونات فرضتها السلطات النقدية على محافظ سندات الدين بالعملات الأجنبية.

انخفاض تراكمي للأموال الخاصة بقيمة 3.9 مليار دولار أميركي في ظلّ خسائر صافية: فقد تراجعت الأموال الخاصة من 20.6 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2019 الى 16.7 مليار دولار في نهاية أيلول 2022، بسبب الخسائر الصافية التي تكبّدتها المصارف إبّان هذه الفترة. وتعود الخسائر التي تكبّدتها المصارف اللبنانية الى تكاليف الصرف الباهظة (الفرق بين سعر الصرف وفق تعميم مصرف لبنان رقم 151 وسعر الصرف الرسمي)، وارتفاع الأعباء التشغيلية العائدة الى ازدياد التضخّم، إضافةً الى المؤونات الكبيرة المرصودة تحسّباً للمخاطر السيادية ولمخاطر القطاع الخاص بوجه عام.

1-4-3-سوق الأسهم والسندات 

أسعار الأسهم اللبنانية تواصل ارتفاعها الكبير الذي بدأ في السنة الماضية، ومزيد من التراجع في أسعار سندات الدين بسبب المخاوف السياسية المتعاظمة واستمرار الغموض بشأن الإصلاحات

خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، واصلت سوق الأسهم اللبنانية الإرتفاع الملحوظ المسجّل في السنة الماضية، وذلك بخاصة نتيجة الارتفاع الكبير لأسعار أسهم سوليدير في إطار مبادرات التحوّط ضدّ الأزمة. في المقابل، سجّلت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية مزيداً من التراجع، وذلك بخاصة نتيجة القلق المتزايد من تعثّر المساعي لتشكيل الحكومة ومن فراغ محتمل في كرسي رئاسة الجمهورية، ومن البطء المتواصل في تنفيذ الإصلاحات الضرورية لتحرير المساعدة المالية الدولية.

في التفاصيل، سجّلت سوق الأسهم اللبنانية في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 أرباحاً عالية بلغت نسبتها 24.7%، وذلك بخاصة نتيجة الارتفاع الكبير الذي طرأ على أسعار أسهم سوليدير ” أ ” و ” ب ” (بنسبة 56.4% و55.5% على التوالي) بحيث تجاوزت الـ 50 دولاراً أميركياً في نهاية أيلول 2022، علماً أن أسعار الأسهم مسجّلة بالدولار المحلي.

من جهة أخرى، سجّلت الأسهم المصرفية انخفاضاً في أسعارها بمعدل 9.4% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022. ويبيّن تحليل أكثر تعمّقاً للأسهم الإفرادية أن أسهم بنك عوده وإيصالات إيداعه العمومية GDR ” المُدرجة ” وأسهم بلوم بنك وإيصالات إيداعه العموميّة ” المدرجة” وأسهم بنك عوده التفضيلية من فئة ” I” وأسهم بنك BLC التفضيلية من فئة “د” وأسهم بنك بيبلوس ” المدرجة” وأسهم بنك بيبلوس” التفضيلية 2008″ سجّلت انخفاضاً في أسعارها تراوحت نسبتُه بين 2.3% و38.7% في حين شهدت أسعار أسهم بنك بيمو ” المدرجة ” ارتفاعاً بنسبة 9.1% في غضون الأشهر التسعة الأولى من السنة. وفي القطاع الصناعي، سجّلت أسهم شركة الإسمنت الأبيض اسمي” ارتفاعاً كبيراً بلغت نسبتُه 54.5% تلتها أسهم شركة ” هولسيم لبنان” (+46.0%).

وترافقت قفزات الأسعار الكبيرة في بورصة بيروت خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مع تزايد تقلّبيّة الأسعار. فهذه التقلّبية، التي تُـقاس بنسبة الفارق المعياري للأسعار/ متوسط الأسعار، بلغت 17.0% في بورصة بيروت في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مقابل تقلّبيّة أضعف بلغت نسبتُها 12.1% في الفترة ذاتها من العام 2021.

وجاءت الرسملة البورصية في سوق الأسهم اللبنانية على غـرار مكاسب الأسعار في البورصة، بحيث ارتفعت بنسبة 24.7% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022، وتحديداً من 10625 مليون دولار أميركي في نهاية كانون الأول 2021 الى 13249 مليون دولار في نهاية أيلول 2022، علماً أن بورصة بيروت شهدت في الأول من تموز 2022 شطب أسهم شركة ريمكو. وبلغت القيمة الإجمالية لعمليات التداول في بورصة بيروت 311.6 مليون دولار أميركي في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مقابل 295.4 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام 2021، أي بارتفاعٍ نسبتُه 5.5%، علماً أن أسهم سوليدير استأثرت بحصة الأسد من حركة البورصة (94.3%) تلتها أسهم المصارف (4.5%) ثم الأسهم الصناعية (1.1%). ومن جرّاء ذلك، بلغ معدل الدوران الإجمالي في بورصة بيروت، والمقدَّر بحجم عمليات التداول السنوية/الرسملة البورصيّة، 3.1% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 مقابل 3.8% في الفترة ذاتها من العام 2021.

من جهة أخرى، واصلت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية تراجعها في الأشهر التسعة الأولى من العام 2022 بحيث بلغت مستويات دنيا راوحت بين 5.63 و6.00 سنتاً للدولار الواحد في نهاية أيلول 2022 مقابل 9.88-10.63 سنتاً للدولار في نهاية العام 2021، ما ينطوي على انخفاضٍ للأسعار بما يراوح بين 4.13 نقطة و4.50 نقطة.

في المرحلة القادمة، ترتقب الأسواق المالية اللبنانية إعداد برنامج إصلاحي اقتصادي ومالي شامل، كفيل بالتصدّي للتحدّيات العميقة والمتجذّرة التي يواجهها لبنان وبتلبية متطلّبات صندوق النقد الدولي، ما يمهّد الطريق الى اتفاق نهائي مع الصندوق ويرسي قواعد لمفاوضات بنّاءة مع حمَلة سندات الدين، علماً أن سندات اليوروبوندز اللبنانية قد لا تكون قابلة للإسترداد بدون برنامج موضوع من قبل صندوق النقد الدولي.

الخاتمة: من أجل نموذج اقتصادي يعزّز القطاعات الإنتاجية دون الإبتعاد عن القطاعات الخدماتية

تشهد البلاد العديد من النقاشات حول الحاجة إلى التحوّل نحو نموذج اقتصادي جديد بعد فشل النموذج الذي اتّسم فيه لبنان لعقود من الزمن. فهل ينبغي على لبنان التخلي عن المحرّكات التي تقبع خلف النموذج السابق؟ هل ينبغي إغفال قطاع الخدمات والذي شكّل لعقود طويلة المحرّك الرئيسي للنمو؟ وما هو البديل لبلد لا تتوفر فيه المواد الأولية ولا العمالة المتدنية الكلفة؟

مما لا شك فيه أنّ النموذج السابق والذي يعتمد على تمويل العجوزات الكبيرة في الميزان التجاري من خلال الأموال الوافدة من الخارج لم يعد نموذجاً مستداماً نظراً للتقلّص الملحوظ في الأموال المتدفقة من الخارج. لذا، لا بد للبنان من خفض استيراده، وتعزيز صادراته وإنتاجه المحلي وتعزيز تدفقاته المالية الوافدة بشكل عام.

صحيح أنّ الواردات تقلصت بنسبة 30% خلال العامين الذين أعقبا اندلاع الأزمة الاقتصادية-المالية في لبنان، إلا أنّها بلغت زهاء 14 مليار في العام 2021، في حين انّ الصادرات لم تتجاوز الـ4 مليار دولار، أي أنّ نسبة الصادرات إلى الواردات لم يتعدّ الـ29%. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2022، زادت الواردات بنسبة 34% مقارنة مع الفترة نفسها من العام السابق. كما يجدر الذكر أنّ نسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة جداً عند 65%، وهي تعتبر إحدى أعلى النسب في العالم، ذاك أنّ هذه النسبة تبلغ 37% في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و24% في الأسواق الناشئة، و28% في العالم بشكل عام.

إنّ الاختلالات الحقيقية الراهنة نتجت عن التمسّك في الحفاظ على استقرار سعر الصرف لفترة طويلة ما أدى إلى أحجام كبيرة من الواردات من السلع والخدمات داخل اقتصاد يعتمد بشكل مفرط على الخارج ويفتقد إلى الانتاج المحلي وسط إنفاق مفرط. فمنذ العام 2014، تمّ إنفاق نحو 178 مليار دولار على الواردات والانفاق السياحي في الخارج (توزعت بين 142 مليار دولار و36 مليار دولار على التوالي)، في حين توافدت تدفقات مالية بقينة 120 مليار دولار (تحاويل مالية صافية وعوائد الصادرات واستثمارات أجنبية مباشرة وسياحة)، الأمر الذي نتج عنه فجوة بقيمة 58 مليار دولار، والتي تم تمويلها بشكل غير مباشر عبر الموجودات الخارجية الصافية للنظام المالي (مصرف لبنان ومصارف).

مما لا شكً فيه أنّه هناك حتماً مسؤولية مشتركة لمختلف العملاء الاقتصاديين تجاه اندلاع الأزمة، إلا أنّه لا يمكن إغفال أن الاختلالات الحقيقية نتجت عن الإنفاق المفرط داخل اقتصاد عاش لعقود فوق إمكاناته في ظل سياسات محلية غير تقليدية وسوء إدارة بالغ للقطاع العام.

إنّ معالجة مسألة القطاع الخارجي والذي يشهد اختلالات مستمرة يعدّ أمراً أساسياً. إذ يمكن التوصل إلى تحقيق توازن في ميزان المدفوعات من خلال تقليص الواردات بشكل أكبر، وزيادة الصادرات وتعزيز التدفقات المالية. من هنا تبرز أهمية تعزيز قدرة لبنان على جذب التدفقات المالية الوافدة من خلال استعادة عامل الثقة تدريجياً، كما تعزيز الإنتاج المحلي والصادرات من خلال دعم القطاعات ذات القيمة المضافة وفرض قيود وضرائب على الاستيراد الذي يؤدي إلى تآكل الموجودات الخارجية لدى النظام المالي اللبناني. ويظهر على نقس القدر من الأهمية ترويج الإنتاج المحلي على المستوى المحلي وفي أسواق التصدير.

إلى ذلك، ينبغي على لبنان عدم إغفال قطاعات التجارة والخدمات كونها تمثّل ميزته الأساسية وسمته التنافسية. ومن ضمن هذه القطاعات تظهر الخدمات الصحية والخدمات التعليمية والخدمات الهندسية والخدمات السياحية والخدمات المالية. إن هذه القطاعات كانت وستبقى المحرّك الرئيسي للاقتصاد اللبناني في ظل تخرّج آلاف الطلاب اللبنانيين سنوياً والذين يتوجهون نحو قطاعات التجارة والخدمات خصوصاً. عليه، فإنّ أي نموذج جديد ينبغي أن يعزّز قطاع التجارة والخدمات باعتباره المحرّك الأساسي للنمو، ناهيك عن تحفيز قطاعي الزارعة والصناعة بهدف التوصل إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي لتلبية الحاجات الاستهلاكية المحلية بدلاً من الاعتماد شبه الكلي على مصادر خارجية وسلع أجنبية بشكل عام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى